قصة سيدنا يوسف عليه السلام – من طفولته إلى لقائه بأبيه عليهما السلام

آخر تحديث : 26 أكتوبر، 2020

يوسف عليه السلام هو نبي من أنبياء الله، و هو ابن النبي يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فأبوه نبي، و جده نبي، و جد أبيه نبي، أنزل الله سورة كاملة فيها قصته و هي سورة يوسف، و هي من أشهر القصص و أطولها في قصص الأنبياء.

رؤيا يوسف عليه السلام

بدأت قصة يوسف عليه السلام حين كان صغيرا فرأى في المنام أن أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر كلهم له ساجدون، فأخبر أباه يعقوب عليه السلام برؤياه، فأوصاه أبوه أن يكتم هذه الرؤيا عن إخوته حتى لا يحسدوه و يغويهم الشيطان.

و كان نبي الله يعقوب يعلم أن هذه إشارة من الله إلى أن يوسف هو النبي بعد يعقوب عليه السلام، و أخبره بتأويل رؤيته أن الله سيجتبيه و يعلمه من تأويل الرؤى و الأحاديث و أنه سيتم عليه نعمته و على والديه و على آل يعقوب.

حسد إخوة يوسف له

و لاحظ إخوة يوسف أن له مكانة خاصة عند أبيه، فقالوا فيما بينهم: إن يوسف احب إلى أبينا منا، و نحن عصبة أي جماعة قوية، و قالوا: إن أبانا لفي ضلال مبين، فاتهموا أباهم أنه يحب يوسف أكثر منهم و أنه على خطإ في ذلك.

و كبر الشيطان هذا الأمر في قلوبهم فزاد حسدهم و حقدهم على يوسف، فقال بعضهم: أقتلوا يوسف و اطرحوه أرضا فتنالوا حب أبيكم من بعده و تتوبوا و تكونوا قوما صالحين، و هذا من تغليط النفس و غلبة الشيطان.

فقال أحد منهم: لا تقتلوه، و لكن ألقوه في بئر فيمر بعض المسافرين و يأخذونه، و هذا القائل قال هذا حتى لا يقتلوه ظلما، و قيل أنه أكبرهم، و قيل أنه قال هذا خوفا من أن يؤذوه إذا عارضهم، و الله أعلم في ذلك.

أخذ يوسف عليه السلام ليرتع و لعب في المرعى

فتفاهموا و ذهبوا إلى أبيهم و رجوه أن يترك يوسف يذهب معهم إلى الرعي، و كان قبل ذلك صغيرا فلا يرسله أبوهم معهم خوفا عليه، و قال لهم: إني أخاف أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون. فراودوا عنه أباه و أقنعوه أن يترك يوسف ليذهب معهم ليرتع و يلعب، فتركه يذهب معهم في الأخير.

إلقاء يوسف عليه السلام في البئر

و لما ذهبوا به فعلوا كما اتفقوا، فألقوه في البئر، و أوحى له الله: <<وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)>> يوسف. ثم عادوا إلى أبيهم يبكون فقالوا له: إنا ذهبنا نستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب. و جاؤوا بقميص له عليه دم كذب، حتى يصدقهم أبوهم أن أخاهم قد مات، فقال لهم نبي الله يعقوب عليه السلام: <<بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)>> يوسف.

أخذ يوسف من البئر

ثم مر قوم على المكان الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام، فأرسلوا أحدا يستسقي لهم من البئر، فلما أدخل دلوه ركب يوسف عليه السلام الدلو، فلما استخرجه وجده غلاما، فقال لقومه: يا بشرى هذا غلام. و أسروه بضاعة، أي نووا أن يجعلوه بضاعة سرا.

ثم جاء إخوته فزعموا أنه عبد فار منهم، فباعوه لهم بثمن بخس، لأنهم كانوا يريدون إبعاده عن أبيه و حسب، و لم يكونوا يريدون ثمنه.

أخذ يوسف عليه السلام إلى مصر و بيعه لعزيز مصر

ثم أخذه هؤلاء القوم و كانوا ذاهبين إلى مصر في تجارة لهم، فلما بلغوا مصر باعوه هناك عبدا، فاشتراه عزيز مصر لامرأته، و العزيز هو وزير الملك الذي هو الفرعون في ذلك الزمان، و لما أخذه هذا العزيز إلى امرأته أوصاها أن تكرم مثواه عسى أن ينفعهما أو يتخذانه ولدا.

فمن الله على يوسف عليه السلام و مكن له الأسباب، و لما كبر و بلغ أشده آتاه الله حكما و علما، و كذلك يؤتي الله أنبياءه العلم و النبوءة حين يبلغون أشدهم، و الله يعلم ماذا يعني بالضبط بلغ أشده، فهناك من قال أنه بلغ قوته، و هناك من قال أنه بلغ أربعين سنة، المهم أنه كبر و اكتملت قوته.

مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه

و حدث في هذه المرحلة من حياته أن امرأة العزيز التي هي مولاته راودته عن نفسه و أرادت به الحرام و العياذ بالله، فأدخلته غرفة  و غلقت عليه الأبواب و تزينت و قالت: هيت لك.

و هذا من أعظم الامتحانات في حياة يوسف عليه السلام، فهذه امرأة عرفت بالحسن و الجمال و الثراء و المنزلة تدعوه لنفسها، و فوق ذلك هي مولاته، إذا ما عصاها يمكنها أن تنزل به العقاب، لكنه نبي الله، أحاطه الله بحفظه و صونه، فقال لها يوسف عليه السلام: <<مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)>> يوسف.

و يقصد ب: إنه ربي أكرم مثواي، عزيز مصر الذي أكرمه في بيته، ثم قال تعالى: <<وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)>>. يوسف.

تكلم المفسرون كثيرا في تفسير قوله تعالى: و لقد همت به و هم بها، و هناك الكثير من الروايات الإسرائيلية المختلط صحيحها مع باطلها، و الله أعلم فيما يعني هذا، غير أن الواضح أن الله عصمه عن السوء  صرف عنه الفحشاء، و أراه برهانا منه حتى لا يهم بها.

و استبقا الباب، فهرب منها و كانت تمسكه فأمسكت قميصه من الخلف فمزقته، و لما خرج وجدا سيدها عند الباب أي العزيز، فسارعت بالقول و اتهام يوسف عليه السلام: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم. و هذا حتى تبرأ نفسها و تنسب السوء إلى يوسف عليه السلام.

فقال يوسف عليه السلام مدافعا عن نفسه: هي راودتني عن نفسي. فشهد شاهد من أهلها و حكم بينهما فقال: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت و هو من الكاذبين، و إن كان قميصه قد من دبر فكذبت و هو من الصادقين، و قد تعني تمزق، و القبل هو الأمام، و الدبر هو الخلف.

فلما رأى العزيز أن قميص يوسف عليه السلام تمزق من الخلف قال: إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم. و أمر يوسف أن يعرض عن هذا، و أمر امرأته أن تستغفر لذنبها و أنها هي المخطئة.

تحدث نساء المدينة عن مراودة امرأة العزيز لفتاها و  تقطيعهن لأيديهن

و تناقل النساء في المدينة حديث مراودة امرأة العزيز لفتاها، و قالوا: قد شغفها حبا، إنا لنراها في ضلال مبين. و لما سمعت بحديثهن عنها و مكرهن أرسلت إليهن فدعتهن، و أعتدت لهن متكأ و أعطت كل واحدة منهن سكينا تقشر به الفاكهة أو شيء من هذا القبيل، ثم أمرت يوسف عليه السلام أن يخرج عليهن.

اقرأ ايضا  قصة زكريا عليه السلام و ابنه يحيى عليه السلام - حياتهما و ما كان فيها

فلما خرج عليهن و رأينه و رأين جماله أكبرن من أمره و تعاظم جماله و نوره لديهن فقطعن أيديهن بالسكاكين من شدة الاندهاش. و يوسف عليه السلام أعطاه الله جمالا فائقا، فقال النسوة: ما هذا بشر، إن هذا إلا ملك كريم.

فقالت لهن امرأة العزيز بعد ذلك: فذلكن الذي لمتنني فيه، و لقد راودته عن نفسه و أردته فرفض و استعصم، و لإن لم يفعل ما آمره ليسجنن أو ليكونن من الصاغرين.

فصار كيد النساء عليه عظيما، و صار هؤلاء النساء يعن امرأة العزيز عليه و يكدن له المكائد، فدعا يوسف عليه السلام ربه فقال: <<قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)>> يوسف.

فكان يوسف عليه السلام يفضل السجن على فتنة النساء و كيدهن، و هذا من عظيم التعلق بالله تعالى، و تفضيل رضاه و طاعته و اجتناب نواهيه عن كل ما في الدنيا، و الرضى بقدره مهما كان، حتى و إن كان هذا القدر هو السجن و العذاب.

دخول يوسف عليه السلام السجن

و دخل يوسف عليه السلام السجن، و هذا حين أبى أن يطيع امرأة العزيز إلى ما لا يرضي الله سبحانه و تعالى، و هذا مما من به الله على نبيه يوسف عليه السلام و على سائر أنبيائه، يؤثرون رضا الله و حبه على الدنيا و ما فيها، و يجاهدون بأنفسهم و أموالهم و كل ما آتاهم الله في سبيل رضاه جل و علا.

رؤيا الفتيان اللذان دخلا معه السجن

و لما دخل يوسف عليه السلام السجن دخل معه فتيان من أهل مصر، و في أثناء تواجده في السجن رأى كل من هذين الفتيين رؤيا، و يوسف عليه السلام آتاه الله تأويل الأحاديث كما أسلفنا، فقال أحدهما: إني أراني أعصر خمرا. و قال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه. و أخبرا يوسف عليه السلام بهذه الرؤيا و سألاه أن ينبئهما بتأويلها، و قالا له: إنا نراك من المحسنين.

و لم يفسر لهما يوسف عليه السلام الرؤيا مباشرة، بل أراد أن يبرهن لهما أولا أن تأويله للأحاديث صادق، فقال لهما: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ذلك مما علمني ربي. و دعاهما إلى الله و أن يعبدوه وحده لا شريك له، و جادلهما في الآلهة التي كانت تعبد هناك و كان آباؤهما عليها، فقال لهما: <<يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)>> يوسف.

و يعلم الله فيما إذا كانا آمنا أم بقيا على شركهما، و المهم أن نبي الله دعاهما إلى الله و أقام عليهما الحجة، كما أنه أثبت لهما أن له علما من عند الله و هو تأويل الأحاديث، و بعدها فسر لهما رؤياهما.

فقال للأول الذي رأى أنه يعصر خمرا أنه سينجو و أنه سيسقي ربه خمرا، و قال للثاني أنه سيصلب فتأكل الطير من رأسه، ثم قال لهما: <<قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)>> يوسف. فأخبرهما أن هذا الأمر واقع لا محالة.

وصاية يوسف عليه السلام للساقي بأن يذكره عند ربه

و قال للذي ظن أنه ناج منهما أي الذي رأى أنه يعصر خمرا: أذكرني عند ربك. أي أنه قال له أن يذكر أمره عند الفرعون، و كان هذان الغلامان كما يقال خادمان من خدام الملك، و قيل أنهما ساقي الملك و مباشر مائدته، و قيل أنه سجنهما لجرم ارتكباه، و الزبدة أن هذين الفتيين خرجا من السجن و صدقت نبوءة يوسف عليه السلام فيهما، فرجع الساقي إلى الملك يسقيه و صلب الآخر.

و نسي الساقي أن يذكر يوسف عليه السلام لدى الملك، و أنساه الشيطان ذلك، فلبث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين، و البضع بين الثلاث و التسع. حتى قدر الله له سببا يخرجه به من السجن و يعلي به شأنه، و هكذا يجزي الله الشاكرين.

و لله حكمة في ترك يوسف في السجن بضعة سنين، و أما قول بعض القائلين أن يوسف عليه السلام أخطأ حين قال للساقي أن يذكره عند ربه، بل إن ابن كثير رحمه الله يقول: <و في هذا دليل على جواز السعي في الأسباب، و لا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب>.

رؤيا ملك مصر للبقرات و السنابل

و بعد هذه السنوات التي قضاها يوسف عليه السلام في السجن، رأى ملك مصر في المنام أنه رأى سبع سمان يأكلهن سبع عجاف، و سبع سنبلات خضر و سبع أخرى يابسات، فقال للملإ من حوله أفتوني في هذه الرؤيا إن كنتم للرؤيا تعبرون، و دعوا مفسريهم و كهانهم فعجزوا عن تفسيرها و قالوا أضغاث أحلام.

و هناك فرق بين الرؤى و أضغاث الأحلام، و أضغاث أحلام تعني أنها أحلام عادية و ليست برؤى صادقة. و لما عجز المفسرون عن تفسير رؤيا الملك تذكر الساقي الذي كان في السجن يوسف عليه السلام، فقال للملك أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون.

فأرسلوه فذهب إلى السجن إلى يوسف عليه السلام و أخبره الخبر، قال له يوسف عليه السلام: تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس و فيه يعصرون.

أي أن تفسير هذا الحلم هو أنه سيأتي سبع سنوات خير كثير و بركة، و تأتي بعدها 7 سنوات قحط و جفاف، و عليهم أن يزرعوا في السبع الأولى و يخزنوا ما حصدوه بسنابله، حتى إذا جاءت السبع العجاف أكلوا ما خزنوه في الرخاء. و بعد ذلك يأتي عام يغاث فيه الناس.

و لما بلغوا الملك بتفسير رؤياه عجب من فطنة يوسف عليه السلام و قوة كلامه و منطقه السديد و ما آتاه الله من العلم بتأويل الأحاديث، و شعر أنه التفسير الصحيح لرؤياه، حينها أمر الملك فقال ائتوني به، فلما جاؤوا إلى يوسف عليه السلام قال لهم ارجعوا إلى الملك فاسألوا ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن.

و كان هذا من يوسف حتى يبين أنه بريء قبل أن يخرج من السجن، فاستدعى الملك هؤلاء النسوة و سألهن فقال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ فقلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء.

و عندها نطقت امرأة العزيز فقالت: <<الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)>> يوسف.

فاعترفت امرأة العزيز بخطئها و استغفرت لذنبها و أخبرت بالحقيقة، و لما علم الملك براءة يوسف عليه السلام و شرفه الرفيع و عفافه أعجبه قبل أن يراه، فقال لجنده: ائتوني به أستخلصه لنفسي.

خروج يوسف عليه السلام من السجن و توليه خزائن الأرض

فلما جاء و كلمه قال له الملك: إنك اليوم لدينا مكين أمين، فطلب منه يوسف عليه السلام أن يجعله على خزائن الأرض فولاه عليها، و ذلك لأنه يعلم أنه قادر على هذا و أنه أفضل ما يستطيع فعله، لأنهم مقبلون على سنين الرخاء و بعدها سنين القحط، و مكن الله تعالى ليوسف عليه السلام في الأرض و أصابه برحمته بعد كل تلك السنوات في السجن و بعد أن أبعده إخوته عن أبيه و مكروا به.

اقرأ ايضا  تفسير حلم الخمر ورؤية البيرة في المنام بالتفصيل للعزباء والمتزوجة والحامل والرجل

مجيء إخوة يوسف إليه

و بعد أن مرت سنوات الرخاء و جاءت سنوات الجفاف و أصاب القحط الناس بدأوا بتوزيع الحنطة على الناس بطريقة منظمة تحت إشراف يوسف عليه السلام.

و أصاب القحط أرض كنعان أيضا، و هي مسكن أهل يوسف عليه السلام، فجاء إخوته بين الرجال لمصر لأنهم علموا أنهم يبيعون الحنطة، فلما جاؤوا علم يوسف عليه السلام بأمرهم فاستقبلهم و عرفهم و لم يعرفوه، و جهز لهم جهازهم من الحنطة و لم يخبرهم أنه أخوهم، و لما جهزهم قال لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم. فقال لهم أن يأتوا بأخيهم الذي تركوه في كنعان و إلا لن يعطيهم الحنطة العام القادم.

فقالوا سنراود عنه أباه، و كان هذا الأخ هو أخ يوسف من أبيه و أمه، و أمر فتيانه أن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم فيردوها إليهم و هم لا يشعرون، فردوا لهم أموالهم مع رحالهم.

و لما عادوا إلى أبيهم أخبروه الخبر و أخبروه أنهم إن لم يأخذوا معهم أخاهم فلا كيل لهم، و جادلوا فيه أباه كما جادلوه في يوسف من قبل، و ذكر لهم أمر يوسف و قال: هل آمنكم عليه كما أمنتكم على أخيه من قبل، فالله خير حفظا و هو أرحم الراحمين.

و فتحوا متاعهم فوجدوا بضاعتهم ردت إليهم، و كانت هذه حجة لهم ليقنعوا بها أباهم أن يرسل معهم أخاهم، فقال لهم: لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم، فآتوه موثقهم فأرسله معهم و أوصاهم: يا بني لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة. و لم تكن هذه الوصية لتغنيهم في شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها كما قال تعالى.

إدخال السقاية في رحل أخيه

و لما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه و أخبره أنه أخوه، و لما جهزهم بجهازهم أدخل شيئا في رحل أخيه، و هو صواع الملك، و لما انطلقوا في قافلتهم استوقفوهم و نادوا فيهم أن فيكم سارقا، و قالوا لهم أنهم يفقدون صواع الملك، و طلبوا منهم أن يستخرجوه طواعية و لهم حمل بعير زائد.

فأنكروا ذلك و قالوا: ما جئنا لنفسد في الارض و ما كنا سارقين. فقالوا لهم: ماذا إن كنتم كاذبين و وجدناه عندكم؟ فقالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. أي من وجد الصواع في رحله فعليه العقوبة.

فبدأ يوسف عليه السلام بتفتيش رحالهم، و بدأ برحالهم قبل رحل أخيه، ثم استخرج الصواع من رحل أخيه. و كان هذا من أمر الله و علمه ليفعل هذا الفعل مع إخوته، و الله أعلم ما الذي وراء هذا.

ثم قالوا ليوسف عليه السلام: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. و يعنون يوسف عليه السلام، و يقال أنهم يعنون قصة حدثت في طفولة يوسف عليه السلام اتهم فيها بالسرقة، فأسر يوسف عليه السلام ذلك في نفسه و لم يبدها لهم حتى لا يعرفوه و قال: أنتم شر مكانا و الله أعلم بما تصفون.

و ترجوه أن يرد أخاهم و يأخذ أحدهم بدله لأن له أبا شيخا كبيرا و هو القائم عليه و غير ذلك، فرفض يوسف عليه السلام ذلك و قال لهم أنه لن يأخذ إلا من وجد متاعه عنده و إلا فهو ظالم.

فلما يئسوا منه قرروا الانطلاق، فقال لهم كبيرهم أنه لا يستطيع أن يعود معهم بسبب الميثاق الذي واثقوا به أباهم، فبقي في مصر و لم يعد معهم، و قال: لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي و هو خير الحاكمين.

فرجعوا إلى أبيهم و أخبروه الخبر و قالوا له أن ابنه سرق، و أنهم شهدوا بما رأوا، و أن القوم الذين كانوا معهم أيضا يشهدون على ذلك، فقال لهم: <<قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)>> يوسف.

ثم تولى عنهم و قال يا أسفي على يوسف و ابيضت عيناه من الحزن، و حزن حزنا شديدا على يوسف عليه السلام و أبنائه، و لما كان العام القادم أمر أبنائه أن يذهبوا إلى مصر و يتحسسوا من يوسف و أخيه و لا ييئسوا من روح الله، و لما أتوا يوسف عليه السلام و دخلوا عليه قالوا: مسنا و أهلنا الضر و جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل و تصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.

و كان القحط قد ضر بهم، وجاؤوا ببضاعة مزجاة أي رديئة و غير مرغوب فيها، و حينها قال لهم: <<قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)>> يوسف.

فقالوا: إنك لأنت يوسف! فقال: أنا يوسف و هذا أخي. و جالسهم و وعظهم و قال لهم: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين. و لما أخبروه خبر أبيه أعطاهم قميصه و أمرهم أن يلقوه على وجه ابيه يرتد بصيرا، و أمرهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين.

إني لأجد ريح يوسف

و لما انطلقوا من مصر قال أبوهم لمن كان معه في كنعان إني أشم ريح يوسف لولا أن تفندون! فكذبوه و قالوا له: إنك لفي ضلالك القديم. فلما جاء البشير و ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال لهم: << أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)>> يوسف.

و طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم و تابوا عن ذنبهم القديم، و انطلقوا بأهاليهم إلى يوسف عليه السلام في مصر، و لما دخلوا عليه آوى إليه أبويه أي بجلهما و أكرمهما و عظمهما.

يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل

و رفع أبويه على العرش أي على مجلس العزيز، و خروا له سجدا، و هم أبواه و إخوته الأحد عشر، فقال لأبيه: <<وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)>> يوسف.

فكان هذا تفسير حلمه الذي رآه في طفولته تحقق بعد السنوات الكثيرات و الأحداث، و أنعم الله عليه و على آل يعقوب كما أول له يعقوب رؤياه في طفولته، و سكن آل يعقوب مصر بعد ذلك و جعل الله في ذريته النبوءة و الكتاب، و من ذريته موسى عليه السلام و عيسى عليه السلام.

ختاما

قال تعالى في آخر سورة يوسف: <<َ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)>> يوسف.

و هذا خير ختام، هذا و الله أعلم، و صل اللهم على نبيك محمد و على آله و صحبه أجمعين.

قصص أنبياء آخرين

قصة سيدنا شعيب عليه السلام – مع قومه مَدْيَن و عذابهم

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام – قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام

مصادر

القرآن الكريم

كتاب قصص الأنبياء -ابن كثير-

كتاب تفسير السعدي

السابق
قصة سيدنا شعيب عليه السلام – مع قومه مَدْيَن و عذابهم
التالي
قصة سيدنا داوود عليه السلام – توليه الملك، فضائله، قصة الخصيمين، عمره و وفاته

اترك تعليقاً